عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
90
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قلت : يعني كما قال أبو [ عثمان ] « 1 » سعيد بن الحداد فيدفع إلي الدّينار والدّينارين وما أمكنه ، وعبّر عن جعفر ببعضهم ، وقال عنه : وصل إلي منه بها نحو من سبعين دينارا . ومع سخائه هذا وعلمه فكان يقول : هب أنّك أعظم الناس قدرا وأكثرهم علما أليس وراء ذلك إلا الموت ؟ . قال : وروي أنه لما ولي القضاء [ كان ] « 2 » عنده ثمانون ألفا فلم يمت حتى تصدّق بها كلّها . وأخبار ابن طالب في فضله وجوده يطول بها الكتاب . قلت : من جوده أنّ رجلا أكرمه في طريقه ولم يعرفه فقال له : سل في القيروان عن دار ابن طالب ، فلما وصل الرّجل دفع إليه خمسة آلاف درهم وعشر خلع ، وأهدى إليه رجل خبز سلت ، فدفع إليه خمسة مثاقيل فقيل له : إنما يسوى درهما ، قال : كلا ولكن هذا رجى أفضالنا فحققناه قال أبو القاسم المعروف بالمساجدي : شكوت يوما لابن طالب الوحدة وقلّة الجدة فاشترى لي جارية بأربعين دينارا ، وحجرة قرب الجامع بعشرين دينارا فشكوت إليه إنه ليس فيها ماء ، فحفر في زقاقها بئرا للمسلمين ، وكان يعطيني قوتي وقوت الجارية وكسوتها لكل شهر . قال ابن أبي عقبة كان رجل كفيف من الفقراء يمشي مع زوجته ، فإذا بصقلي « 3 » أتى إلى طبّاخ « 4 » فقال له : يقول لك القاضي خذ لنا خروفا من صفته كذا وكذا ، واعمله في التّنّور وخذ له من الزيتون والخبز وبقل المائدة ما يصلح ، وهيّئه إلى أن أرجع من صلاة الجمعة ، وانصرف الغلام فقالت زوجة الكفيف واللّه ما اشتهيت إلّا الأكل منه ، وكانت حاملا ، فقال الكفيف : أنت طالق إن تغدّينا إلّا منه . فلما فرغ الناس من الجمعة سبق القاضي إلى باب الدار حتى جاء القاضي ودخل بيتا في سقيفة داره ، يحكم فيه فقالت : ما الّذي يوصلك إليه ؟ فقال لها : اسكتي فلمّا سمعت الطّست أخبرته فقال الكفيف يا قاضي قال اللّه عزّ وجلّ : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] . وقال : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً ( 9 ) [ الإنسان : 9 ] . فصاح القاضي : يا غلام خذ هذا الخوان « 5 » وامض معه حتى توصله
--> ( 1 ) في الأصل : أبو سعيد بن الحداد . والصواب ما أثبتناه من : الرياض 2 / 57 وسيأتي ترجمته . واسمه : « أبو عثمان سعيد بن محمد بن صبيح الغساني مولاهم يعرف بابن الحداد » . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) في الرياض : بصقلبي 1 / 475 . ( 4 ) في الرياض : إلى بعض الطباخين 1 / 475 . ( 5 ) الخوان : ما يوضع عليه الطعام ليؤكل ، وتسميه العامة : السّفرة .